اظهار الدين والبراءة من القوم عند استفاضة الشرك لدى النجديين

أبوعبد الرحمن
المؤلف أبوعبد الرحمن
تاريخ النشر
آخر تحديث

اظهار الدين والبراءة من القوم عند استفاضة الشرك لدى النجديين

 


الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

قال حمد بن عتيق: (وقال تعالى : { قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي شَكٍّ مِّن دِينِي … }.الآية : [ يونس : 104 ] . فمن صرح لهم بذلك فقد أظهر دينه ، و صرّح بالعداوة ، و هذا هو إظهار الدين ، لا كما يظنه الجهلة من أنه إن تركه الكفار و خلّو بينه و بين أن يصلي و يقرأ القرآن و يشتغل بما شاء من النوافل أنه يصير مظهرا لدينه هذا غلط فاحش فإن من يصرح بالعداوة للمشركين و البراءة منهم لا يتركونه بين أظهرهم بل إمّا قتلوه و إمّا أخرجوه إن وجدوا إلى ذلك سبيلا كما ذكره الله عن الكفار.قال تعالى : { وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّـكُم مِّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا }. [ إبراهيم : 13 ] . و قال إخبارا عن قوم شعيب : {لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا }. [ الأعراف : 88 ] . و ذكر عن أهل الكهف أنهم قالوا : {إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَن تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً }. [ الكهف : 20 ] . و هل اشتدت العداوة بين الرسل و قومهم إلاّ بعد التصريح بمسبة دينهم و تسفيه أحلامهم و عيب آلهتهم) الدرر ج8 ص433

️قلت: تأمل قوله كيف عد قول الجهلة هو مجرد إتيان الشعيرة بين قوم انتسبوا للإسلام مع إستفاضة الشرك بينهم وجعل إظهار الدين هو بمخالفة الدين الذي عليه أكثر القوم وهو البراءة منهم.

قال حمد بن عتيق: (قد اطلع على أن البلد، إذا ظهر فيها الشرك، وأعلنت فيها المحرمات، وعطلت فيها معالم الدين، أنها تكون بلاد كفر، تغنم أموال أهلها، وتستباح دماؤهم، وقد زاد أهل هذه البلد، بإظهار المسبة لله ولدينه، ووضعوا قوانين ينفذونها في الرعية، مخالفة لكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وقد علمت أن هذه كافية وحدها، في إخراج من أتى بها من الإسلام هذا ونحن نقول: قد يوجد فيها من لا يحكم بكفره في الباطن، من مستضعف ونحوه; وأما في الظاهر فالأمر – ولله الحمد – واضح، ويكفيك ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم في أهل مكة، مع أن فيهم مستضعفين، وكذلك ما فعله أصحابه بكثير ممن ارتد عن الإسلام، من استباحة الدم والمال والعرض، وكل عاقل وعالم يعلم أن ما أتى به هؤلاء من الكفر والردة، أقبح وأفحش وأكثر مما فعله أولئك.

فارجع النظر في نصوص الكتاب والسنّة، وفي سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، تجدها بيضاء نقية، لا يزيغ عنها إلا هالك .... فيا عباد الله: أين عقولكم؟ فإن النِّزاع بيننا وبين هؤلاء، ليس هو في الصلاة; وإنما هو في تقرير التوحيد، والأمر به، وتقبيح الشرك، والنهي عنه، والتصريح بذلك....) الدرر ج9 ص256

️قلت: تأمل قوله كيف جعل إظهار الدين في قوم انتسبوا للإسلام هو إظهار التوحيد والكفر بشرك القوم، وليس مجرد أداء الصلاة.

قال حمد بن عتيق: (وأما المسألة الرابعة - وهي مسألة إظهار الدين فإن كثيراً من الناس، قد ظنَّ: ⁦أنه إذا قدر على أن يتلفظ بالشهادتين، وأن يصلي الصلوات، ولا يُردَّ عن المساجد، فقد أظهر دينه وإن كان مع ذلك بين المشركين، أو في أماكن المرتدين، وقد غلطوا في ذلك أقبح الغلط وأخطئوا أكبر الخطأ فاعلم أن الكفر له أنواع وأقسام تتعدد بتعدد المكفرات، وقد تقدم بعض ذلك. وكل طائفة من طوائف الكفر فلابُدّ أن يشتهر عندها نوع منه. ولا يكون المسلم مظهِراً لدينه، حتى يُخالف كل طائفة بما أشتهر عندها، ويصرح لها بعداوته، والبراءة منه. فمن كان كفره بالشرك، فإظهار الدين عنده: التصريح بالتوحيد، أو النهي عن الشرك والتحذير منه. ومن كان كفره بجحد الرسالة، فإظهار الدين عنده: التصريح بأن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم، والدعوة إلى إتباعه. ومن كان كفره بترك الصلاة، فإظهار الدين عنده: فعل الصلاة، والأمر بها. ومن كان كفره بموالاة المشركين والدخول في طاعتهم، فإظهار الدين عنده: التصريح بعداوته، والبراءة منه ومن المشركين وبالجملة: فلا يكون مظهراً لدينه، إلاَّ من صرح لمن ساكنه من كل كافر ببراءته منه، وأظهر له عداوته لهذا الشيء الذي صار به كافراً وبراءته منه؛⁦ ولهذا قال المشركون للنبي صلى الله عليه وسلم: عاب ديننا وسفَّه أحلامنا، وشتم آلهتنا . وقال الله تعالى: {قل يا أيُها الناس إن كنتم في شك من ديني فلا أعبد الذين تعبدون من دون الله ولكن أعبد الله الذي يتوفاكم وأُمرت أن أكون من المؤمنين وأن أقم وجهك للدين حنيفاً ولا تكوننَّ من المشركين ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذاً من الظالمين} [يونس/104 106]، فأمر اللهُ تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم: {يا أيُها الناس... } إلى آخره، أي: إذا شككتم في الدين الذي أنا عليه، فدينكم الذي أنتم عليه أنا بريءٌ منه، وقد أمرني ربي أن أكون من المؤمنين الذين هم أعداؤكم، ونهاني أن أكون من المشركين الذين هم أولياؤكم وقال تعالى: {قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد} إلى آخر السورة. فأمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول للكفار: دينكم الذي أنتم عليه أنا بريءٌ منه، وديني الذي أنا عليه أنتم بُرآءٌ منه. والمراد: التصريح لهم بأنهم على الكفر، وأنه بريءٌ منهم ومن دينهم فمن كان متبعاً للنبي صلى الله عليه وسلم فعليه أن يقول ذلك، ولا يكون مظهِراً لدينه إلاَّ بذلك؛ ولهذا لما عمل الصحابة بذلك، وآذاهم المشركون، أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالهجرة إلى الحبشة، ولو وجد لهم رخصة في السكوت عن المشركين، لما أمرهم بذلك إلى بلد الغُربة... والمقصود منه: ⁦أن الرجل لا يكون مظهراً لدينه حتى يتبرأ من أهل الكفر الذي هو بين أظهرهم، ويُصرح لهم: بأنهم كفار، وأنه عدوٌ لهم، فإن لم يحصل ذلك، لم يكن إظهار الدين) سبيل النجاة والفكاك في موالاة أهل الإشراك ص 92 95

️قلت: تأمل قوله كيف جعل إظهار الدين في قوم انتسبوا للإسلام هو البراءة من الطوائف المرتدة التي انتشرت نواقضها، ولم يجعل مجرد التلفظ بالشهادتين أو أداء الصلاة أو الصلاة في المساجد من علامات إظهار الدين بين القوم المرتدين.

قال إسحاق بن عبد الرحمن: (قال بعض المحققين : و يكفي العاقل قوله تعالى : {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوَءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ}. [ آل عمران : 30 ] . قد حكى ابن كثير الإجماع على أن تارك الهجرة عاص مرتكب محرما على ترك الهجرة و لا يكفي بغضهم بالقلب بل لا بد من إظهار العداوة و البغضاء قال تعالى : { قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ…}. الآية : [ الممتحنة : 4 ]. فانظر إلى هذا البيان الذي ليس بعده بيان حيث قال : {وَبَدَا بَيْنَنَا}: أي ظهر ، هذا هو إظهار الدين فلابد من التصريح بالعداوة و تكفيرهم جهارا و المفارقة بالبدن و معنى العداوة أن تكون في عدوة و الضد في عدوة و أصل البراءة المقاطعة بالقلب و اللسان و البدن و قلب المؤمن لا يخلو من عداوة الكافر و إنمّا النزاع في إظهار العداوة فإنها قد تخفى لسبب شرعي و هو الإكراه مع الاطمئنان و قد تخفى العداوة من مستضعف معذور عذره القرآن و قد تخفى لغرض دنيوي و هو الغالب على أكثر الخلف وهذا و إن لم يظهر منه موافقة . ⁦ودعوى من أعمى الله بصيرته و زعم أن إظهار الدين هو عدم منعهم من أن يتعبد أو يدرس دعوى باطلة فزعمه مردود عقلا وشرعا، و ليَهنَ من كان في بلاد النصارى و المجوس و الهند ذلك الحكم الباطل ، لأن الصلاة و الأذان و التدريس موجود في بلدانهم، و هذا إبطال للهجرة و الجهاد و صدّ النّاس عن سبيل الرشاد) عقيدة الموحدين والرد على الضلال والمبتدعين ص192

️قلت: تأمل قوله في دعوى من أعمى الله بصيرتهم حيث زعموا أن التعبد وإظهار الشرائع هو إظهار الدين، وأن العلة في ذلك ظهور تلك العبادات من أذان وصلاة وتدريس مع وجود النواقض.

ومن كلام لبعض المحققين قالوا: (يحرم السفر إلى بلاد المشركين للتجارة، إلا أن يكون المسلم قويا، له منعة، يقدر على إظهار دينه، وتكفيرهم، وعيب دينهم، والطعن عليهم، والبراءة منهم، والتحفظ من مودتهم والركون إليهم; وليس فعل الصلاة فقط إظهارا للدين.

وقول القائل: إنا نعتزلهم في الصلاة، ولا نأكل ذبيحتهم، لا يكفي في إظهار الدين، بل لا بد مما ذكر) الدرر ج15 ص482

️قلت: تأمل قولهم في إظهار الدين وهو تكفير وعيب دين القوم والطعن عليهم والبراءة منهم، وليس مجرد ترك ذبيحتهم أو اعتزال الصلاة معهم.

سئل محمد بن إبراهيم: (أَما بعد: أَفتنا عن معنى حديث ((مَن سَاكَن الْمشرك وَجَامَعَه فهوَ مِثله)) . وحديث ((أَنا بَرِيءٌ مِن مَسلِم بَات بَين ظهرَاني الْمشرِكِين))

والجواب: الحمد لله. حديث ((مَن جَامَعَ الْمشرِك أَو سَكن مَعَه فهوَ مِثله)) وحديث ((أَنا بَرِيءٌ مِن مسلِم بَات بَين ظهرَاني الْمشرِكِين)) هذان الحديثان هما من الوعيد الشديد المفيد غلظ تحريم مساكنة المشركين ومجامعتهم، كما هما من أَدلة وجوب الهجرة من بلد الشرك إلى بلد الإسلام، وهذا في حق من لم يقدر على إظهار دينه. وأَما من قدر على إظهار دينه فلا تجب عليه الهجرة، بل هي مستحبة في حقه. وقد لا تستحب إذا كان في بقائه بين أَظهرهم مصلحة دينية من دعوة إلى التوحيد والسنة وتحذير من الشرك والبدعة علاوة على إظهاره دينه.

وإظهاره دينه ليس هو مجرد فعل الصلاة وسائر فروع الدين واجتناب محرماته من الربا والزنا وغير ذلك. إنما إظهار الدين مجاهرته بالتوحيد والبراءة مما عليه المشركون من الشرك بالله في العبادة وغير ذلك من أَنواع الكفر والضلال) كتاب فتاوى ورسائل محمد بن إبراهيم ج1 ص91 92

️قلت: تأمل قوله كيف جعل إظهار الدين في قوم انتسبوا للإسلام هو التوحيد والبراءة مما عليه المشركين من نواقض فشت فيهم، وليس مجرد فعل الصلوات أو اجتناب المحرمات. والحمدلله رب العالمين.


تعليقات

عدد التعليقات : 0