أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد :
فقد سميت هذا المقال بعنوان تكفير من لم يكفر عباد القبور والرد على الجراجسة الجدد ]
قد حارب أهل الباطل دعوة التوحيد كثيراً متبعين بذلك ما تشابه من القول، وقد حذرنا الله في كتابه من إتباع المتشابه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله
قال ابن أبي حاتم: [٣١٨٤] حَدَّثَنا أبِي، ثَنا أبُو الوَلِيدِ الطَّيالِسِيُّ، ثَنا يَزِيدُ بْنُ إبْراهِيمَ التُّسْتَرِيُّ، وحَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنِ ابْنِ أبِي مُلَيْكَةَ، «عَنِ القاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ قَوْلِ اللَّهِ: ﴿فَأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنهُ﴾ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إذا رَأيْتُمُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ سَمّى اللَّهُ فاحْذَرُوهم».
[٣١٨٥] حَدَّثَنا أبِي، ثَنا أبُو صالِحٍ: حَدَّثَنِي مُعاوِيَةُ بْنُ صالِحٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قَوْلُهُ: ﴿فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنهُ﴾ قالَ: فَيَحْمِلُونَ المُحْكَمَ عَلى المُتَشابِهِ، والمُتَشابِهَ عَلى المُحْكَمِ ويَلْبِسُونَ، فَلَبَّسَ اللَّهُ عَلَيْهِم. [تفسير بن أبي حاتم]
وكان أيوب -رحمه الله- يقول: لا أعلم أحدا من أهل الأهواء يخاصم إلا بالمتشابه.
[ كتاب الإبانة الكبرى - ابن بطة ]
فمن قديم وأهل الباطل يرمون دعاة التوحيد الذين يكفرون المشركين بتهمة الخوارج والتكفير وقد رُمي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بكل التهم من أهل الباطل وقالوا عنه ساحر ومجنون ومعلم وقالوا كفّر آبائنا وأجدادنا وفرق جماعتنا
قَالَ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّكَ قَدْ آتَيْتَ قَوْمَكَ بِمَا لَمْ يَأْتِ أَحَدٌ قَوْمَهُ بِمِثْلِهِ : سَفَّهْـتَ أَحْلامَنَا , وَكَـفَّــرْتَ آبَـاءَنَا , وَعِبْتَ آلِهَتَنَا , وَفَرَّقْتَ كَلِمَتَنَا. [كتاب السيرة النبوية لابن هشام]
وتكلموا في عرضه فما نقص ذلك من الحق شيئاً بل رفع الله مقامه ومقام دعوته وبقيت عصابة من الأمة إلى اليوم يستمسكون بهذا الهدي والأثر عن نبيهم وأصحابه الكرام -رضوان الله عليهم أجمعين-
قال البربهاري (شيخ الحنابلة) رحمه الله: واعلم أنه لا يزال الناس في عصابة من أهل الحق والسنة، يهديهم الله، ويهدي بهم غيرهم ويحيي بهم السنن، فهم الذين وصفهم الله مع قلتهم عند الاختلاف، وقال {الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ} فاستثناهم فقال: {فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}
وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (لا تزال عصبة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله) [كتاب شرح السنة]
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: «وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى أَهْلَهُ أَرْكَانَ الشَّرِيعَةِ، وَهَدَمَ بِهِمْ كُلَّ بِدْعَةٍ شَنِيعَةٍ. فَهُمْ أُمَنَاءُ اللَّهِ مِنْ خَلِيقَتِهِ، وَالْوَاسِطَةُ بَيْنَ النَّبِيِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأُمَّتِهِ، وَالْمُجْتَهِدُونَ فِي حَفِظِ مِلَّتِهِ. أَنْوَارُهُمْ زَاهِرَةٌ وَفَضَائِلُهُمْ سَائِرَهٌ وَآيَاتُهُمْ بَاهِرَةٌ وَمَذَاهِبُهُمْ ظَاهِرَةٌ وَحُجَجُهُمْ قَاهِرَةٌ وَكُلُّ فِئَةٍ تَتَحَيَّزُ إِلَى هَوًى تَرْجِعُ إِلَيْهِ، أَوْ تَسْتَحْسِنُ رَأَيًا تَعْكُفُ عَلَيْهِ، سِوَى أَصْحَابِ الْحَدِيثِ فَإِنَّ الْكِتَابَ عُدَّتُهُمْ، وَالسُّنَّةُ حُجَّتُهُمْ، وَالرَّسُولُ فِئَتُهُمْ، وَإِلَيْهِ نِسْبَتُهُمْ، لَا يُعَرِّجُونَ عَلَى الْأَهْوَاءِ، وَلَا يَلْتَفِتُونَ إِلَى الْآرَاءِ، يُقْبَلُ مِنْهُمْ مَا رَوَوْا عَنِ الرَّسُولِ، وَهُمُ الْمَأْمُونُونَ عَلَيْهِ وَالْعُدُولُ، حَفَظَةُ الدِّينِ وَخَزَنَتُهُ، وَأَوْعِيَةُ الْعِلْمِ وَحَمَلَتُهُ. إِذَا اخْتُلِفَ فِي حَدِيثٍ، كَانَ إِلَيْهِمُ الرُّجُوعُ، فَمَا حَكَمُوا بِهِ، فَهُوَ الْمَقْبُولُ الْمَسْمُوعُ. وَمِنْهُمْ كُلُّ عَالِمٍ فَقِيهٌ، وَإِمَامٌ رَفِيعٌ نَبِيه، وَزَاهِدٌ فِي قَبِيلَةٍ، وَمَخْصُوصٌ بِفَضِيلَةٍ، وَقَارِئٌ مُتْقِنٌ، وَخَطِيبٌ مُحْسِنٌ. وَهُمُ الْجُمْهُورُ الْعَظِيمُ، وَسَبِيلُهُمُ السَّبِيلُ الْمُسْتَقِيمُ. وَكُلُّ مُبْتَدَعٍ بِاعْتِقَادِهِمْ يَتَظَاهَرُ، وَعَلَى الْإِفْصَاحِ بِغَيْرِ مَذَاهِبِهِمْ لَا يَتَجَاسَرُ. مَنْ كَادَهُمْ قَصَمَهُ اللَّهُ وَمَنْ عَانَدَهُمْ خَذَلَهُمُ اللَّهُ. لَا يَضُرُّهُمُ مَنْ خَذَلَهُمْ، وَلَا يُفْلِحُ مَنِ اعْتَزَلَهُمُ، الْمُحْتَاطُ لِدِينِهِ إِلَى إِرْشَادِهِمْ فَقِيرٌ، وَبَصَرُ النَّاظِرِ بِالسُّوءِ إِلَيْهِمْ حَسِيرٌ، وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ»
[كتاب شرف أصحاب الحديث]
وقد أحيى الله سبحانه في الناس هذه العقيدة (تكفير المشركين) على يدي أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- بعد وفاته وقت ردة العرب، فكانت رسائل العزة من أبي بكر الصديق -رضوان الله عليه وعلى من معه- تصل إلى القبائل المرتدة نصها [ تكفير المرتدين والشهادة على قتلاهم بالخلود في النار ]
عن قتادة بن دِعامة -من طريق سعيد- قال: أنزَل الله هذه الآية وقد علِم أنه سيرتدُّ مرتدُّون من الناس، فلمّا قبَض الله نبيه ارتد عامَّةُ العربِ عن الإسلام، إلا ثلاثةَ مساجدَ؛ أهل المدينة، وأهل مكة، وأهل الجُواثا من عبد القيس. وقال الذين ارتدوا: نُصَلِّي الصلاةَ ولا نزكِّي، واللهِ، لا تُغصَبُ أموالُنا. فكُلِّمَ أبو بكرٍ في ذلك ليَتَجاوزَ عنهم، وقيل له: إنهم لو قد فُقِّهوا أدَّوُا الزكاة. فقال: واللهِ، لا أُفَرِّقُ بين شيءٍ جمَعه الله، ولو منَعوني عِقالًا مما فرَض اللهُ ورسوله لقاتَلتُهم عليه. فبعَث اللهُ عصائبَ مع أبي بكر فقاتلوا حتى أقرُّوا بالماعون، وهو الزكاة. قال قتادة: فكنا نُحَدَّثُ: أن هذه الآية نزلت في أبي بكر وأصحابه: ﴿فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه﴾ إلى آخر الآية
٢٢٨٥٥- عن الضحاك بن مزاحم -من طريق جويبر- في قوله: ﴿فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه﴾، قال: هو أبو بكرٍ وأصحابُه، لما ارتدَّ مَن ارتد مِن العرب عن الإسلام جاهَدهم أبو بكرٍ وأصحابُه حتى ردَّهم إلى الإسلام.
٢٢٨٥٦- قال الحسن البصري: علم الله تبارك وتعالى أنّ قومًا يرجعون عن الإسلام بعد موت نبيهم ﷺ، فأخبر أنه سيأتي بقوم يحبهم الله ويحبونه.
٢٢٨٥٧- عن الحسن البصري -من طريق الفضل بن دَلْهَم- في قوله: ﴿فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه﴾، قال: هم الذين قاتلوا أهل الردَّة من العرب بعد رسول الله ﷺ؛ أبو بكر وأصحابُه. [موسوعة التفسير المأثور]
قال ابن جرير الطبري : حَدَّثَنَا السَّرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ سَيْفٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، وَشَارَكَهُ فِي الْعَهْدِ وَالْكِتَابِ قَحْذَمٌ، فَكَانَتْ الْكُتُبُ إِلَى قَبَائِلِ الْعَرَبِ الْمُرْتَدَّةِ كِتَابًا وَاحِدًا: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مِنْ أَبِي بَكْرٍ خَلِيفَةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى مَنْ بَلَغَهُ كِتَابِي هَذَا مِنْ عَامَّةٍ وَخَاصَّةٍ، أَقَامَ عَلَى إِسْلامِهِ أَوْ رَجَعَ عَنْهُ سَلامٌ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى، وَلَمْ يَرْجِعْ بَعْدَ الْهُدَى إِلَى الضَّلالَةِ وَالْعَمَى، فَإِنِّي أَحْمَدُ إِلَيْكُمُ اللَّهَ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، نُقِرُّ بِمَا جَاءَ بِهِ، وَنُكَفِّرُ مَنْ أَبَى وَنُجَاهِدُهُ... [كتاب تاريخ الطبري]
قال ابن أبي شيبة: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ ، قَالَ : لَمَّا ارْتَدَّ مَنِ ارْتَدَّ عَلَى عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ أَرَادَ أَبُو بَكْرٍ أَنْ يُجَاهِدَهُمْ ، فَقَالَ عُمَرُ : أَتُقَاتِلُهُمْ وَقَدْ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ حَرُمَ مَالُهُ إِلَّا بِحَقِّهِ وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : إِنَّا لَنُقَاتِلُ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ ، وَاللَّهِ لَأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا حَتَّى أَجْمَعَهُمَا قَالَ عُمَرُ : فَقَاتَلْنَا مَعَهُ فَكَانَ رُشْدًا ، فَلَمَّا ظَفِرَ بِمَنْ ظَفِرَ بِهِ مِنْهُمْ قَالَ : اخْتَارُوا مِنِّي خَصْلَتَيْنِ : إِمَّا حَرْبًا مُجَلِّيَةً وَإِمَّا الْحِطَّةَ الْمُخْزِيَةَ ، فَقَالُوا : هَذِهِ الْحَرْبُ الْمُجَلِّيَةُ قَدْ عَرَفْنَاهَا فَمَا الْحِطَّةُ الْمُخْزِيَةُ ؟ قَالَ : تَشْهَدُونَ عَلَى قَتْلَانَا أَنَّهُمْ فِي الْجَنَّةِ وَعَلَى قَتْلَاكُمْ أَنَّهُمْ فِي النَّارِ فَفَعَلُوا.
[المصنف- كتاب الجهاد]
قال أبو بكر الخلال: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَطَرٍ ، وَزَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى ، أَنَّ أَبَا طَالِبٍ حَدَّثَهُمْ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ , قَالَ : وَقَالَ عُمَرُ : قَتْلانَا فِي الْجَنَّةِ ، أَحْيَاءٌ يُرْزَقُونَ , لا دِيَةَ لَهُمْ ، وَقَتْلاهُمْ فِي النَّارِ يُعَذَّبُونَ فَقَدْ شَهِدَ لَهُمْ وَنَحْنُ نَشْهَدُ لَهُمْ.
[كتاب شرح السنة]
✍️قلت: وأما اليوم فأصبح من غربة الإسلام أن تموت النصرانية والشيوعي والرافضي الإمامي، والأشعري الجهمي فيوصف بالشهيد والبطل بين غالب الناس والله المستعان، وصار المسلم الموحد الذي يعتقد تكفير المشركين والشهادة على قتلاهم بالخلود في النار يسير بعقيدته بين الناس بالمداراة لشدة غربته، ولو صرّح بعقيدته في بعض المواطن لرمي بأشد التهم وربما عوقب عليها بالسجن والضرب والتعذيب، فلم يسلم الموحد من سياط الطواغيت، كما لم يسلم من ألسنة شيوخ السوء ولجان التلبيس والأحقر من ذلك أن يأتي من ينتسب للسلف [زوراً وبهتاناً] يرمي المسلمين بهذه التهم، فإلى الله نشكو غربة الدار والدين.
قال أبو عبد اللَّه: ((بلغني أن أبا خالد وموسى بن منصور وغيرهم يجلسون في ذلك الجانب، فيعيبون قولنا، ويدعون إلى هذا القول ألا يقال: مخلوق ولا غير مخلوق، ويعيبون من يكفر، ويزعمون أنا نقول بقول الخوارج. ثم تبسم أبو عبد اللَّه كالمغتاظ، ثم قال: هؤلاء قوم سوء)) كتاب الجامع لعلوم الإمام أحمد – العقيدة
قلت: وقد رمي إمام أهل السنة والجماعة بهذه التهمة من قبل فكان بعض الأشخاص يعيبون عليه التكفير في مسألة خلق القرآن!
فأما أحفاد بن جرجيس يتوارثون إلى اليوم هذا الأسلوب الخسيس في محاربة الموحدين ورميهم بأبشع التهم إقتداءً بأسلافهم من مشركي العرب الذين كانوا ينعتون دعوة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالتهم أثناء محاربته للشرك وأهله ودحرهم بنشر عقيدة التوحيد، ولكن الله متم نوره ولو كره الكافرون.