آية التحاكم على فهم السلف وبيان ان الأصل في التحاكم لغير شرع الله هو كفر أصغر
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله والحمد الله والصلاة والسلام
على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد :
فقد خرج علينا بعض فلاسفة الخوارج أصحاب الرأي (كرأي أبي جيفة الذي يشبه
خيط السحارة) كل مدة هم في شأن، فـيُمِّهون على العوام بأن التحاكم كفر أكبر مطلقا !!! دون تفصيل
فهم إلى يوم في غيِّهم يعمهون، وعن تأصيل أهل السنة مُبعدون، وبالفلسفة
المتناقضة هم قائلون، فهل هم بعد هذا منتهون!؟
فتعال أخي السني نرى ماذا قال السلف في تفاسيرهم في مسألة تحاكم أهل النفاق
إلى الطاغوت بعيداً عن فلسفات المارقة و زخرفتهم و سأنقل بعضها على سبيل البيان
والإختصار لكي لا يطول المقال، وأخص منها دلالة التحاكم في الآية إلى الكاهن وهو
الطاغوت في الآية، وحكم أهل النفاق في قضية التحاكم خصوصاً بعيداً عن قياس
الفلاسفة على قصص أخرى لأهل النفاق... فانتبه
قال تعالى:
{أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِینَ یَزۡعُمُونَ أَنَّهُمۡ ءَامَنُوا۟ بِمَاۤ أُنزِلَ
إِلَیۡكَ وَمَاۤ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ یُرِیدُونَ أَن یَتَحَاكَمُوۤا۟ إِلَى
ٱلطَّـٰغُوتِ وَقَدۡ أُمِرُوۤا۟ أَن یَكۡفُرُوا۟ بِهِۦۖ وَیُرِیدُ ٱلشَّیۡطَـٰنُ
أَن یُضِلَّهُمۡ ضَلَـٰلَۢا بَعِیدࣰا ٦٠ وَإِذَا قِیلَ لَهُمۡ تَعَالَوۡا۟ إِلَىٰ
مَاۤ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ رَأَیۡتَ ٱلۡمُنَـٰفِقِینَ یَصُدُّونَ
عَنكَ صُدُودࣰا ٦١ فَكَیۡفَ إِذَاۤ أَصَـٰبَتۡهُم مُّصِیبَةُۢ بِمَا قَدَّمَتۡ
أَیۡدِیهِمۡ ثُمَّ جَاۤءُوكَ یَحۡلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنۡ أَرَدۡنَاۤ إِلَّاۤ
إِحۡسَـٰنࣰا وَتَوۡفِیقًا ٦٢ أُو۟لَـٰۤىِٕكَ ٱلَّذِینَ
یَعۡلَمُ ٱللَّهُ مَا فِی قُلُوبِهِمۡ فَأَعۡرِضۡ عَنۡهُمۡ وَعِظۡهُمۡ وَقُل
لَّهُمۡ فِیۤ أَنفُسِهِمۡ قَوۡلَۢا بَلِیغࣰا ٦٣وَمَاۤ أَرۡسَلۡنَا مِن
رَّسُولٍ إِلَّا لِیُطَاعَ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ وَلَوۡ
أَنَّهُمۡ إِذ ظَّلَمُوۤا۟ أَنفُسَهُمۡ جَاۤءُوكَ فَٱسۡتَغۡفَرُوا۟ ٱللَّهَ
وَٱسۡتَغۡفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ لَوَجَدُوا۟ ٱللَّهَ تَوَّابࣰا رَّحِیمࣰا ٦٤
فَلَا وَرَبِّكَ لَا یُؤۡمِنُونَ حَتَّىٰ یُحَكِّمُوكَ فِیمَا شَجَرَ بَیۡنَهُمۡ
ثُمَّ لَا یَجِدُوا۟ فِیۤ أَنفُسِهِمۡ حَرَجࣰا مِّمَّا قَضَیۡتَ وَیُسَلِّمُوا۟
تَسۡلِیمࣰا} سورة النساء
قال أبو جعفر الطبري: وقد ذكر أن هذه الآية نزلت في رجل من المنافقين
دعا رجلا من اليهود في خصومة كانت بينهما إلى بعض الكهَّان،
ليحكم بينهم، ورسول الله ﷺ بين أظهُرهم. 📗[تفسير جامع البيان]
قال أبو المظفر: فِي الْآيَة قَولَانِ: أَحدهمَا: أَنه فِي جمَاعَة من
الْمُنَافِقين مِنْهُم خلاس بن الصَّامِت، كَانَت لَهُم خُصُومَة مَعَ جمَاعَة من الْمُسلمين،
فَقَالَ الْمُسلمُونَ: نَتَحَاكَم إِلَى الرَّسُول، وَقَالَ المُنَافِقُونَ: نَتَحَاكَم إِلَى الكهنة. 📗[تفسير السمعاني]
١٨٨٩٧- عن عبد الله بن عباس -من طريق عكرمة- قال: كان أبو بُرْدَة الأسلمي كاهنًا يقضي بين اليهودِ فيما يتنافرون
فيه، فتنافر إليه ناسٌ من المسلمين؛ فأنزل الله: ﴿ألم
تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا﴾ إلى قوله: ﴿إحسانا وتوفيقا﴾.
١٨٨٩٨- عن عبد الله بن عباس، قال: كان الجلّاس بن الصامت قَبْلَ توبته،
ومُعَتِّب بن قُشَيْر، ورافع بن زيد، وبشير؛ كانوا يدَّعون الإسلام، فدعاهم رجالٌ من
قومهم من المسلمين في خُصُومَةٍ كانت بينهم إلى رسول الله ﷺ، فدَعَوْهم إلى الكُهّان حُكّام الجاهلية؛ فأنزل الله فيهم:
﴿ألم تر إلى الذين يزعمون﴾الآية.
١٨٩٠١- عن عامر الشعبي -من طريق داود- قال: كان بين رجلٍ من اليهود ورجلٍ من المنافقين خصومةً -وفي لفظ: ورجل ممن زعم أنّه مسلم-،
فجعل اليهوديُّ يدعوه إلى النبي ﷺ؛ لأنّه قد عَلِم أنّه لا يأخذ الرشوةَ في الحُكْم،
وجعل الآخرُ يَدْعُوه إلى اليهود؛ لأنّه قد علم أنهم يأخذون
الرشوة في الحكم، ثم اتفقا على أن يتحاكما إلى كاهن في جُهَيْنَة؛ فنزلت: ﴿ألم
تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا﴾ الآية إلى قوله: ﴿ويسلموا تسليما﴾.
١٨٩٠٣- عن سليمان التيمي، قال: زعم حَضْرَمِيٌّ: أن رجلًا من اليهود كان
قد أسلم، فكانت بينه وبين رجل من اليهود مُدارَأَةٌ في حَقٍّ، فقال اليهودي له: انطلق
إلى نبي الله. فعرف أنه سيقضي عليه، فأبى، فانطلقا إلى رجل
من الكُهّان، فتحاكما إليه؛ فأنزل الله: ﴿ألم تر إلى الذين يزعمون﴾ الآية.
١٨٩٠٥- عن قتادة بن دِعامة -من طريق شَيْبان- قال: ذُكِر لنا: أنّ هذه الآية نزلت في رجل من الأنصار ورجل من اليهود
في مُدارَأَةٍ كانت بينهما، في حَقٍّ تَدارَءا فيه، فتحاكما إلى كاهن كان بالمدينة،
وتركا رسول الله ﷺ، فعاب اللهُ ذلك عليهما. وقد حُدِّثنا: أنّ اليهوديَّ كان
يدعوه إلى نبي الله ﷺ، وكان لا يعلم أنّه لا يجوز عليه، وكان يأبى عليه الأنصاريُّ
الذي زعم أنه مسلم؛ فأنزل الله فيهما ما تسمعون، عاب ذلك على
الذي زعم أنه مسلم، وعلى صاحب الكتاب.
١٨٩٠٩- عن عبد الله بن عباس -من طريق العوفي- في قوله: ﴿يريدون أن يتحاكموا
إلى الطاغوت﴾، قال: الطاغوتُ رجلٌ من اليهود، كان يُقال له:
كعب بن الأشرف. وكانوا إذا ما دُعُوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول ليحكم بينهم
قالوا: بل نحاكمكم إلى كعب. فذلك قوله: ﴿يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت﴾.
١٨٩١٠- عن وهْب بن مُنَبِّه، قال: سألتُ جابر
بن عبد الله عن الطواغيت التي كانوا يتحاكون إليها، قال: إنّ في جُهَيْنَة واحدًا،
وفي أسلم واحدًا، وفي هلال واحدًا، وفي كل حَيٍّ واحدًا، وهم كُهّانٌ تَنَزَّل عليهم
الشياطين.
١٨٩١٢- قال ابن جُرَيْج: ﴿يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك﴾ قال: القرآن،
﴿وما أنزل من قبلك﴾ قال: التوراة. قال: ويكون بين المسلم والمنافق الحقُّ، فيدعوه المسلمُ
إلى النبي ﷺ ليحاكمه إليه، فيأبى المنافقُ، ويدعوه إلى الطاغوت.
١٨٩١٣- قال ابن جُرَيْج: قال مجاهد: الطاغوتُ:
كعبُ بن الأشرف.
١٨٩١٤- عن مجاهد بن جَبْر -من طريق ابن أبي نجيح- قال: الطاغوتُ: الشيطانُ في صورة إنسان يتحاكمون إليه، وهو صاحب أمرهم.
١٨٩١٥- عن الضحاك بن مُزاحِم -من طريق عبيد بن سليمان- في قوله: ﴿يريدون
أن يتحاكموا إلى الطاغوت﴾، قال: هو كعب بن الأشرف.
١٨٩١٦- عن عامر الشعبي -من طريق داود- ﴿ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم
آمنوا بما أنزل إليك﴾ يعني: الذي من الأنصار، ﴿وما أنزل من قبلك﴾ يعني: اليهودي، ﴿يريدون
أن يتحاكموا إلى الطاغوت﴾: إلى الكاهن، ﴿وقد أمروا
أن يكفروا به﴾ يعني: أمر هذا في كتابه، وأمر هذا في كتابه. وتلا: ﴿ويريد الشيطان أن
يضلهم ضلالا بعيدا﴾. وقرأ: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم﴾ إلى: ﴿ويسلموا
تسليما﴾
١٨٩١٧- عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- قوله: ﴿وقد أمروا أن يكفروا
به﴾، قال: وهو أبو الأسلمي الكاهن.
١٨٩١٨- قال مقاتل بن سليمان: ﴿ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا﴾ يعني:
صدَّقوا ﴿بمآ أنزل إليك﴾ من القرآن، ﴿و﴾صدقوا بـ﴿مآ أنزل من قبلك﴾ من الكتب على الأنبياء،
... ﴿يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت﴾ يعني: كعب بن الأشرف،
وكان يَتَكَهَّن، ﴿وقد أمروا أن يكفروا به﴾ يعني: أن يَتَبَرَّأوا مِن الكهنة،
﴿ويريد الشيطان أن يضلهم﴾ عن الهُدى ﴿ضلالا بعيدا﴾ يعني: طويلًا.📗[موسوعة التفسير المأثور]
١٨٩٤٥- عن أبي الأسود، قال: اختصم رجلان إلى رسول الله ﷺ، فقضى بينهما،
فقال الذي قُضِي عليه: رُدَّنا إلى عمر بن الخطاب. فقال رسول الله ﷺ: «نعم، انطلِقا
إلى عمر». فلمّا أتَيا عمرَ قال الرجلُ: يا ابن الخطاب، قَضى لي رسول الله ﷺ على هذا،
فقال: رُدَّنا إلى عمر. فرَدَّنا إليك، فقال: أكذلك؟ قال: نعم. فقال عمر: مكانكما حتى
أخرج إليكما، فأقضي بينكما. فخرج إليهما مشتملًا على سيفه، فضرب الذي قال: رُدَّنا
إلى عمر. فقتله، وأدبر الآخرُ فارًّا إلى رسول الله ﷺ، فقال: يا رسول الله، قتل عمرُ
-واللهِ- صاحبي، ولوما أنِّي أعْجَزْتُه لَقَتَلَني. فقال
رسول الله ﷺ: «ما كنتُ أظُنُّ أن يجترئ عمرُ على قتل مؤمنين». فأنزل الله: ﴿فلا وربك
لا يؤمنون﴾ الآية، فَهَدَر دم ذلك الرجل، وبَرِئ عمر من قتله، فكرِه اللهُ أن يُسَنَّ
ذلك بعدُ، فقال: ﴿ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم﴾ إلى قوله: ﴿وأشد تثبيتا﴾
📗[تفسير بن أبي حاتم الرازي]
✍️قلت: وعلى إختلاف تنوع الروايات إلّا أنها جميعاً تنص على أن تحاكم المنافقين
في هذه الآية كان من جنس التحاكم إلى الكاهن، وكما هو معلوم عند أهل السنة والجماعة
أن التحاكم إلى الكاهن من جملة الذنوب (كفر دون كفر) رغم أن الكهان أشد كفراً في إعتقادهم
من الحاكم بغير ما أنزل الله في إعتقاده أثناء تبديل الحدود، لذلك بقي حكم المنافقين
الظاهر حكم عصاة المسلمين في تحاكمهم إلى الطاغوت (الكاهن) في هذه الآية كما جاء في
التفاسير، وقد اجتمع في هذا الطاغوت كل أنواع الكفر من السحر والكهانة والتفضيل والتسوية
والجحود والإستحلال الذي دلت عليه الآثار في أفعال أهل الكتاب... وللإستفادة أكثر حول
آثار التبديل في آيات التحكيم
راجع مقال [معنى الدفع في باب مخالفة الحدود]
١٠٣٠١- عن أبي العالية -من طريق محمد بن المثنى، عن عبد الأعلى عن داود-
قال: الطاغوت: الساحرُ.
١٠٣٠٣- عن رفيع أبي العالية-من طريق عبد الوهاب، عن داود- قال: الطاغوتُ:
الكاهنُ.📗[موسوعة التفسير المأثور]
قال أبو عبيد القاسم بن سلام: [باب
الخروج من الإيمان بالمعاصي]
وَقَوْلُهُ: "مَنْ أَتَى سَاحِرًا أَوْ
كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ, أَوْ أَتَى حَائِضًا أَوِ امْرَأَةً
فِي دبرها فقد بريء مما أنزل على مُحَمَّدٍ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَوْ كَفَرَ بِمَا أُنزل عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"...
فقول الله جل وعز: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم
بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُون} [المائدة:٤٤] . وَقَالَ
ابْنُ عَبَّاسٍ: "لَيْسَ بِكُفْرٍ يَنْقُلُ عَنِ الْمِلَّةِ". وَقَالَ
عَطَاءُ بْنُ أبي رباح: "كفر دون كفر". 📗[كتاب الإيمان للقاسم بن سلام]
قال ابن بطة العكبري: [باب ذكر الذنوب
التي تصير بصاحبها إلى كفر غير خارج عن الملة]
٩٩٣– حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ أَحْمَدَ , قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ
اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ , قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ
سَعِيدٍ , عَنْ عَوْفٍ , قَالَ: حَدَّثَنَا خِلَاسٌ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ,
وَالْحَسَنِ , عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ أَتَى كَاهِنًا أَوْ عَرَّافًا , فَقَدْ كَفَرَ بِمَا
أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» 📗[كتاب الإبانة الكبرى - ابن بطة]
قال أبو المظفر: قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَا رَبك
لَا يُؤمنُونَ﴾ قَوْله: ﴿فَلَا﴾ : رد لقَوْل الْمُنَافِقين وَعذرهمْ، ثمَّ ابْتِدَاء
بقوله: ﴿وَرَبك لَا يُؤمنُونَ﴾ وَالْمرَاد بِهِ: الْإِيمَان الْكَامِل، أَي: لَا يكمل
إِيمَانهم، ﴿حَتَّى يُحَكِّمُوك فِيمَا شجر بَينهم﴾ أَي: اخْتلف، والاشتجار:
الِاخْتِلَاف، وَمِنْه الشّجر لالتفاف أغصانه بَعْضهَا على بعض، قَالَ الشَّاعِر:
(هم الْحُكَّام أَرْبَاب الندي ... وسراة النَّاس إِذْ الْأَمر شجر) أَي:
اخْتلف، (ثمَّ لَا يَجدوا فِي أنفسهم حرجا مِمَّا قضيت) أَي: ضيقا، وَمِنْه الحرجة،
روى أَن عمر - رَضِي الله عَنهُ - قَالَ لبَعض الْعَرَب: مَا الحرجة عنْدكُمْ؟ قَالَ:
هِيَ شَجَرَة ملتفة، لَا يصل المَاء إِلَيْهَا.
وَمن ذَلِك قَوْله - تَعَالَى -: ﴿يَجْعَل صَدره ضيقا حرجا﴾ أَي: يضيق
مسلكه بِحَيْثُ لَا تصل إِلَيْهِ الْهِدَايَة ﴿ويسلموا تَسْلِيمًا﴾ وَمعنى الْآيَة: لَا يكمل إِيمَانهم حَتَّى يرْضوا بحكمك، وينقادوا
لَك، قيل: هَذِه أبلغ آيَة فِي كتاب الله - تَعَالَى - فِي الْوَعيد. 📗[تفسير السمعاني]
عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: «لَمْ يَكُنْ مِنَ
الْمُنَافِقِينَ أَحَدٌ يُسَمَّى كَافِرًا»
📗[كتاب شرح أصول إعتقاد أهل السنة والجماعة]
وقد استدل المروزي بأية التحاكم إلى الطاغوت
تحت هذا الباب:
[أَدِلَّةُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عَلَى أَنَّ الْإِيمَانَ بِالرَّسُولِ
عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إِنَّمَا هُوَ بِتَصْدِيقِهِ، وَاتِّبَاعِ مَا جَاءَ
بِهِ. فَإِنْ قِيلَ: فَمَا الْحُجَّةُ فِي أَنَّ الْإِيمَانَ بِرَسُولِ اللَّهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا هُوَ بِتَصْدِيقِهِ وَاتِّبَاعِ مَا جَاءَ
بِهِ؟ قِيلَ: كِتَابُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةُ رَسُولِهِ صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ] 📗[كتاب تعظيم قدر الصلاة]
✍️ قلت: استدلّ المروزي في هذا الباب بآيات التحاكم والأخبار التي نزلت
فيها في الردّ على المرجئة في مسألة إخراج العمل من الإيمان، وفي نفي كمال الإيمان
دون إنتفاء أصله عن المخالف لبعض أوامر الرحمان، وكذلك في الردّ والتشنيع على أصحاب
الرأي والقياس الباطل من أمثال أبي حنيفة، الذين كانوا يستدبرون أحاديث رسول اللّه
بآرائهم ويقدّمون قياسهم للأحكام على الدلالات التي جاءت بها الأخبار عن رسول اللّه.
ثمّ قرن آيات التحاكم وأخبارها في إستدلاله بآيات وأثار تحثّ على اتّباع السنّة وعدم
التقديم بين يدي اللّه ورسوله وعدم جعل دعاء النبيّ كدعاء غيره، فكانت الدلالات في
كلّ النصوص المنقولة في الباب ذاته لا تختلف. ونحن بفضل اللّه ومنّته نواصل قصم ظهور
المارقة المتنطعين، وتبيين جهلهم وسقم فهمهم ومخالفتهم لسنّة الأئمّة المتقدّمين، ولكنّهم
لا يرجعون فقد أصابتهم فتنة فعموا فيها وصمّوا بما كانوا يكسبون.
✍️قلت: بل وابن حزم الظاهري على ما عنده من ظاهرية أعقل من هؤلاء الظاهرية
الخوارج عند فهم آيات التحكيم.
قال ابن حزم: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ
فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَلَّةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ
خَلَّةٌ مِنْ نِفَاقٍ حَتَّى يَدَعَهَا: إذَا حَدَّثَ كَذَبَ، إذَا وَعَدَ أَخْلَفَ،
إذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ». فَقَدْ صَحَّ أَنَّ هَاهُنَا نِفَاقًا
لَا يَكُونُ صَاحِبُهُ كَافِرًا، وَنِفَاقًا يَكُونُ صَاحِبُهُ كَافِرًا، فَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَرَادُوا التَّحَاكُمَ
إلَى الطَّاغُوتِ لَا إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُظْهِرِينَ
لِطَاعَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عُصَاةً بِطَلَبِ
الرُّجُوعِ فِي الْحُكْمِ إلَى غَيْرِهِ مُعْتَقِدِينَ لِصِحَّةِ ذَلِكَ، لَكِنْ رَغْبَةً
فِي اتِّبَاعِ الْهَوَى، فَلَمْ يَكُونُوا بِذَلِكَ كُفَّارًا بَلْ عُصَاةً.📗[كتاب المحلى]
✍️قلت: ولذلك علَّق الشرع الكفر في هذه الآية على ما يبطنه أهل النفاق في
قلوبهم.
قال بن أبي زمنين: قَالَ الله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ
مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ مِنَ الشّرك والنفاق ﴿فَأَعْرض
عَنْهُم﴾ فَلَا تقتلهم مَا جعلُوا يظهرون الْإِيمَان ﴿وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي
أَنْفُسِهِمْ قَوْلا بليغا﴾ يَقُولُ لَهُم: إِن أظهرتم مَا
فِي قُلُوبكُمْ قتلتكم.📗[تفسير بن أبي زمنين]
قال النحاس: ثم قال عز وجل ﴿أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ يَعْلَمُ ٱللَّهُ مَا
فِي قُلُوبِهِمْ﴾. وهو عالم بكل شيء، والفائدةُ أنه
قد عَلِمَ أنهم منافقون، فأُعلِمُوا ذلك. ثم قال جل
وعز: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً﴾.
أي قل لهم: مَنْ خالَفَ حكمَ النبي ﷺ، وكَفَر به، وجبَ عليه
القتلُ.📗[معاني القرآن للنحاس]
قال ابن كثير: ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ
مَا فِي قُلُوبِهِمْ} أَيْ هَذَا الضَّرْبُ مِنَ النَّاسِ هُمُ الْمُنَافِقُونَ، وَاللَّهُ
يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ وَسَيَجْزِيهِمْ عَلَى ذَلِكَ، فَإِنَّهُ لَا تَخْفَى
عَلَيْهِ خَافِيَةٌ، فَاكْتَفِ بِهِ يَا مُحَمَّدُ فِيهِمْ، فَإِنَّ اللَّهَ عَالِمٌ بِظَوَاهِرِهِمْ وَبَوَاطِنِهِمْ؛
وَلِهَذَا قَالَ لَهُ: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ أَيْ: لَا تُعَنِّفْهُمْ
عَلَى مَا فِي قُلُوبِهِمْ ﴿وَعِظْهُمْ﴾ أَيْ: وَانْهَهُمْ
عَلَى مَا فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ النِّفَاقِ وَسَرَائِرِ الشَّرِّ ﴿وَقُلْ لَهُمْ
فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلا بَلِيغًا﴾ أَيْ: وَانْصَحْهُمْ فِيمَا بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ
بِكَلَامٍ بَلِيغٍ رَادِعٍ لَهُمْ.📗[تفسير بن كثير]
✍️قلت: وقد كان إعتذار المنافقين هو بعينه إقرار منهم بالتحاكم إلى الطاغوت
لأجل مصالحهم، ولم يستغفروا من تحاكمهم كما زعم أصحاب الرأي الفلاسفة الذين يخالفون
المشهور من الآثار والتفاسير وصريح لغة العرب...
قال ابن كثير: ﴿ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا
إِلا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾ أَيْ: يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكَ وَيَحْلِفُونَ: مَا أَرَدْنَا بِذَهَابِنَا إِلَى غَيْرِكَ، وَتَحَاكُمِنَا إِلَى
عَدَاكَ إِلَّا الْإِحْسَانَ وَالتَّوْفِيقَ، أَيِ: الْمُدَارَاةَ وَالْمُصَانَعَةَ،
لَا اعْتِقَادًا مِنَّا صِحَّةَ تِلْكَ الْحُكُومَةِ. 📗[تفسير بن كثير]
✍️قلت: وهنا وقفة مهمة وسؤال للخوارج المارقة، هل فعل أهل
النفاق [الكفر الأكبر] لأجل مصلحة؟
وهل يكون [اعتذار] الكافر من فعله [بالإقرار على نفسه بركوب الكفر
الأكبر لأجل مصالح الدنيا] !؟
أو فعلوا [ما هو دون الكفر الأكبر] وبقي حكمهم الظاهر في الدنيا حكم
عصاة المسلمين؟! نترك الجواب لفلاسفة المارقة
قال أبو المظفر: ﴿وَلَو أَنهم﴾ يَعْنِي: الْمُنَافِقين ﴿إِذا ظلمُوا أنفسهم﴾
يعْنى: بالتحاكم إِلَى الطاغوت ﴿جاءوك فاستغفروا الله﴾ لأَنهم
مَا جَاءُوا مستغفرين، وَإِنَّمَا جَاءُوا معتذرين بالأعذار الكاذبة.📗[تفسير السمعاني]
قال أبو جعفر الطبري: وأما قوله: "لوجدوا الله توابًا رحيمًا"،
فإنه يقول: لو كانوا فعلوا ذلك فتابوا من ذنبهم
"لوجدوا الله توابًا"📗[تفسير جامع البيان]
قال الزجاج: وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَوْ أنَّهم إذْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم جاءُوكَ
فاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ﴾، ”أنَّ“، في مَوْضِعِ رَفْعٍ، المَعْنى: لَوْ وقَعَ مَجِيئُهم في وقْتِ ظُلْمِهِمْ أنْفُسَهم مَعَ
اسْتِغْفارِهِمْ، ﴿لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوّابًا رَحِيمًا﴾📗[معاني الزجاج]
✍️قلت: والخوارج الفلاسفة يجعلون ظواهر أيات التحكيم في سورة المائدة من الكفر الأصغر، بينما يجعلون ظواهر أيات سورة النساء من الكفر الأكبر، ولذلك نتجت عندهم هذه الفلسفة وهي
[تكفير المنافقين ظاهراً في هذه الحادثة]، وهذا الأمر
من أسباب ضلال الخوارج المارقة الظاهرية في التعامل مع المتشابه من القرآن كما أخبرنا
السلف.
قال الآجري: وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُقْرِئِ قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: ذُكِرَ لِابْنِ عَبَّاسٍ الْخَوَارِجُ وَمَا يُصِيبُهُمْ عِنْدَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ؟ قَالَ: " يُؤْمِنُونَ بِمُحْكَمِهِ، وَيَضِلُّونَ عَنْ مُتَشَابِهِهِ وَقَرَأَ {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ " [آل عمران: 7] 📗[كتاب الشريعة]
✍️قلت: فاحذر رحمك الله من زخرفات أهل البدع و رأيهم فإنه مخالف لصريح الآثار
وأصول السنة، وعليك بما عليه سلف الأمة، وإياك أن تكون إمعة يقلد من غير عقل، وينصر
البدعة وهو لا يشعر ويحسب نفسه على السنة !!
عن أبي الطفيل، قال: سأل عبد الله بن الكوّاء عليا عن قوله ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأخْسَرِينَ أَعْمَالا﴾ قال: أنتم يا
أهل حَروراء.📗[تفسير جامع البيان]
عَنْ عَلِيٍّ، أنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكم بِالأخْسَرِينَ أعْمالا﴾ . قالَ: لا أظُنُّ
إلّا أنَّ الخَوارِجَ مِنهم.📗[تفسير الدر المنثور]
قال الآجري: حَدَّثَنَا الْفِرْيَابِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ
بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ مَزْيَدٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي قَالَ: سَمِعْتُ الْأَوْزَاعِيَّ
يَقُولُ: عَلَيْكَ بِآثَارِ مَنْ سَلَفَ، وَإِنْ رَفَضَكَ
النَّاسُ، وَإِيَّاكَ وَآرَاءِ الرِّجَالِ، وَإِنْ زَخْرَفُوا لَكَ بِالْقَوْلِ.📗[كتاب الشريعة للآجري]
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: «لَا يَكُونَنَّ
أَحَدُكُمْ إِمَّعَةً» قَالُوا: وَمَا إِمَّعَةً؟ قَالَ: «يَجْرِي مَعَ كُلِّ رِيحٍ»📗[كتاب مساوئ الأخلاق للخرائطي]
🔴 الخلاصة :
١- تحاكم أهل النفاق في الأية هو تحاكم إلى (الكاهن).
٢- الأصل في التحاكم إلى الكاهن عند أهل السنة من جنس (الكفر الأصغر).
٣- ظواهر أهل النفاق بفعلهم في التحاكم (المعصية) ونقصان الإيمان.
٤- إعتذار المنافقين هو بعينه إقرار بالتحاكم إلى الطاغوت لأجل مصالحهم
ولم يستغفروا من فعلهم.
٤- علّق الشرع الكفر على ما يبطنه أهل النفاق في قلوبهم وبقي حكمهم الظاهر
حكم عصاة المسلمين وكره الله أن يسن فيهم القتل بعد تلك الحادثة بذلك الفعل، وأمر بوعظهم
على ما يسرونه فإن أظهروا ما يبطنونه من إعتقادهم من كره للشرع وجب عليهم القتل.
٥- أيات التحاكم في سورة النساء قرينة أيات التحاكم في سورة المائدة،
الظاهر فيها المعصية عند أهل السنة بخلاف الظاهر فيها عند الخوارج الظاهرية في الفهم.
٦- إختلاف تنوع الروايات في الآية دل على أن المتحاكم له أوصاف أهل الإسلام
والإنتساب إلى أهله في الظاهر، ولم يوصف بالردة الظاهرة.
٧- فقه أهل السنة والجماعة يكون بجمع كل التفاسير في الباب الواحد، بخلاف
فهم الخوارج الظاهري الذي بُني على رأي غلط كمقدمة ثم حاولوا الإنتصار لها بشتى الطرق
فوقعوا في كثير من التناقضات.
٨- أحذرك من فلسفات المارقة وقياسهم الفساد لقصص أهل النفاق على
بعضها البعض، فإنهم يقيسون هذه القصة (التحاكم) بعينها على قصص أخرى فاحذر وانتبه.
٩- أحذرك من فلسفات المارقة الذين يزعمون التفصيل في مسألة التحاكم
ويجعلون الذهاب إلى الكاهن من جملة الذنوب ثم يناقضون أنفسهم بحروريتهم القديمة
فيجعلون [ظواهر] أهل النفاق [الكفر] في هذه القصة خصوصاً فاحذر وانتبه.
١٠- الخوارج قوم سوء أضلهم الله عز وجل عند الآيات المتشابهات، وفوق
ضلالهم يكفرون المسلم العاصي المتحاكم بجريرة إعتقاد الطاغوت في التبديل والأعجب
من هذه الحرورية، غلوهم في تكفير أهل السنة الذين قالوا بالآثار واتبعوا منهج
السلف رحمهم الله، أو تكفير من خالفهم في صورة من صور التحاكم في الواقع ولو كانت
أصوله صحيحة في مسألة الكفر بالطاغوت وأهله.
هذا وصلِّ اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين والحمد لله رب
العالمين