بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
حدثني عن مالك، أنه بلغه عن بكير بن عبد الله بن الأشج، عن ابن عطية أن رسول الله ﷺ قال:
"لا عدوى، ولا هام، ولا صفر، ولا يحل الممرض على المصح، وليحلل المصح حيث شاء".
فقالوا: يا رسول الله، وما ذاك؟
فقال رسول الله ﷺ: "إنه أذى".
موطأ مالك بن أنس ٥/٥٣٥
• قال أبو عبيد القاسم بن سلاّم رحمه الله:
"والنهي في قوله لا يورد المُمْرِض على المُصِح ليس لإثبات العدوى، بل لأن الصحاح لو مرضت بتقدير الله، فربما وقع في نفس صاحبها أن ذلك من العدوى، فيفتتن ويتشكك في ذلك، فأمر باجتنابه؛ وكان بعض الناس يحمله على أنه مخافة على الصحيحة من ذات العاهة. قال: وهذا شر ما حمل عليه الحديث لأنه رخصة في التطير المنهي عنه، ولكن وجهه عندي ما قدّمته".
[غريب الحديث ]
• وقال محمد بن إسحاق ابن خزيمة رحمه الله:
"والنبي ﷺ برأفته ورحمته بأمته أمرهم بالفرار من المجذوم، كما نهى أن يورد الممرض على المصح، شفقة عليهم، وخشية أن يُصيب بعضَ مَنْ يَقْرُبُ من المجذوم الجذامُ، والصحيحَ من الماشية الداءُ الذي بالمرضى منها، فيسبق إلى قلب بعض المسلمين أن أصابها الجذام أعداه جذام صاحبه الأول، وكذا الماشية إذا أصابها الجرب، فيسبق إلى قلبه أن المرض الذي بالماشية الأولى أعداها، فيثبت العدوى التي نفاها النبي ﷺ، وقال بعد نفيها: إنه لا يعدي شيء شيئًا. فأمر باجتناب ذلك، ليسلم المسلمون من التصديق بإثبات العدوى. وقد أعلم النبي ﷺ أن الطيرة شيء يجده الناس في صدورهم، ثم أعلم أن التوكل يذهبها. فكذلك الجذام والجرب، لا يسلم من ضعف توكله إذا أصاب بعضَ من قرب منه المجذوم الجذامُ أن يصدق بالعدوى والطيرة لضعف توكله؛ لا أن النبي ﷺ أثبت العدوى بأمره بالفرار من المجذوم، وبعثه إلى المجذوم ليرجع. ويؤيد هذا الجمع أكله مع المجذوم ثقة بالله وتوكلًا عليه".
[التوكل لابن خزيمة ]
• وقال الطحاوي في مشكل الآثار:
"معناه أن المصح قد يصيبه ذلك المرض، فيقول الذي أورده: لو أني ما أوردته عليه، لم يصبه من هذا المرض شيء. والواقع أنه لو لم يورده لأصابه بتقدير الله عليه، فنهى عن إيراده لهذه العلة التي لا يؤمن على الناس غالبًا من وقوعها في قلوبهم".
• وقال أبو جعفر الطبري في تفسيره:
"اختلف السلف في صحة هذا الحديث، فأنكر بعضهم أن يكون ﷺ أمر بالبعد من ذي عاهة جذامًا كان أو غيره؛ قالوا: قد أكل مع مجذوم، وأقعده معه، وفعله أصحابه المهديون. وكان ابن عمر وسلمان يصنعان الطعام للمجذومين ويأكلان معهم.
وعن عائشة أن امرأة سألتها: أكان رسول الله ﷺ قال: فرَّ من المجذوم فرارك من الأسد؟ فقالت عائشة: كلا والله، ولكنه قال: لا عدوى.
وقالت: كان مولى لنا أصابه ذلك الداء، فكان يأكل في صحافي، ويشرب في أقداحي، وينام على فراشي.
قالوا: وقد أبطل ﷺ العدوى".
[تفسير الطبري ]