الاخْتِلافُ المَحْمُود و الاخْتِلافُ الكُفْري
قال الامام أبو عبد لله بن بطة العكبري رحمه الله ( فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : قَدْ ذَكَرْتَ نَهْيَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْفُرْقَةِ وَتَحْذِيرِهِ أُمَّتَهُ ذَلِكَ وَحَضِّهِ إِيَّاهُمْ عَلَى الْجَمَاعَةِ وَالتَّمَسُّكِ بِالسُّنَّةِ
وَقُلْتُ : إِنَّ ذَلِكَ هُوَ أَصْلُ الْمُسْلِمِينَ وَدُعَامَةُ الدِّينِ وَأَنَّ الْفِرْقَةَ النَّاجِيَةَ هِيَ وَاحِدَةٌ وَالْفِرَقُ الْمَذْمُومَةُ نَيِّفٌ وَسَبْعُونَ فِرْقَةً وَنَحْنُ نَرَى أَنَّ هَذِهِ الْفِرْقَةَ النَّاجِيَةَ أَيْضًا فِيهَا اخْتِلافٌ كَثِيرٌ وَتَبَايُنٌ فِي الْمَذَاهِبِ وَنَرَى فُقَهَاءَ الْمُسْلِمِينَ مُخْتَلِفِينَ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ قَوْلٌ يَقُولُهُ وَمَذْهَبٌ يَذْهَبُ إِلَيْهِ وَيَنْصُرُهُ ، وَيَعِيبُ مَنْ خَالَفَهُ عَلَيْهِ
فَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ رَحِمَهُ اللَّهُ إِمَامٌ وَلَهُ أَصْحَابٌ يَقُولُونَ بِقَوْلِهِ وَيَعِيبُونَ مَنْ خَالَفَهُمْ
وَكَذَلِكَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ
وَكَذَلِكَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ
وَطَائِفَةٌ مِنْ فُقَهَاءِ الْعِرَاقِ
وَكَذَلِكَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ رَحِمَهُ اللَّهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلاءِ لَهُ مَذْهَبٌ يُخَالِفُ فِيهِ غَيْرَهُ
وَنَرَى قَوْمًا مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ وَالرَّافِضَةِ وَأَهْلِ الأَهْوَاءِ يَعِيبُونَا بِهَذَا الاخْتِلافِ وَيَقَولُونَ لَنَا : الْحَقُّ وَاحِدٌ فَكَيْفَ يَكُونُ فِي وَجْهَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ ؟
فَإِنِّي أَقُولُ لَهُ فِي جَوَابِ هَذَا السُّؤَالِ
أَمَّا مَا تَحْكِيهِ عَنْ أَهْلِ الْبِدَعِ مِمَّا يَعِيبُونَ بِهِ أَهْلَ التَّوْحِيدِ وَالإِثْبَاتِ مِنَ الاخْتِلافِ فَإِنِّي قَدْ تَدَبَّرْتُ كَلامَهُمْ فِي هَذَا الْمَعْنَى فَإِذَا هُمْ لَيْسَ الاخْتِلافُ يَعِيبُونَ وَلا لَهُ يَقْصِدُونَ وَإِنَّمَا هُمْ قَوْمٌ عَلِمُوا أَنَّ أَهْلَ الْمِلَّةِ وَأَهْلَ الذِّمَّةِ وَالْمُلُوكَ وَالسُّوقَةَ وَالْخَاصَّةَ وَالْعَامَّةَ وَأَهْلَ الدُّنْيَا كَافَّةً إِلَى الْفُقَهَاءِ يَرْجِعُونَ وَلأَمْرِهِمْ يُطِيعُونَ وَبِحُكْمِهِمْ يَقْضُونَ فِي كُلِّ مَا أَشْكَلَ عَلَيْهِمْ وَفِي كُلِّ مَا يَتَنَازَعُونَ فِيهِ فَعَلَى فُقَهَاءِ الْمُسْلِمِينَ يَعُولُونَ فِي رُجُوعِ النَّاسِ إِلَى فُقَهَائِهِمْ وَطَاعَتِهِمْ لِعُلَمَائِهِمْ ثَبَاتٌ لِلدِّينِ ، وَإِضَاءَةٌ لِلسَّبِيلِ وَظُهُورٌ لِسُنَّةِ الرَّسُولِ ، وَكُلُّ ذَلِكَ فَفِيهِ غَيْظٌ لأَهْلِ الأَهْوَاءِ وَاضْمِحْلالٍ لِلْبِدَعِ فَهُمْ يُوهُونَ أَمْرَ الْفُقَهَاءِ وَيُضَعِّفُونَ أُصُولَهُمْ وَيَطْعَنُونَ عَلَيْهِمْ بِالاخْتِلافِ لِتَخْرُجَ الرَّعِيَّةُ عَنْ طَاعَتِهِمْ وَالانْقِيَادِ لأَحْكَامِهِمْ فَيَفْسُدُ الدِّينُ وَتُتْرَكُ الصَّلَوَاتُ وَالْجَمَاعَاتُ وَتَبْطُلُ الزَّكَوَاتُ وَالصَّدَقَاتُ وَالْحَجُّ وَالْجِهَادُ وَيُسْتَحَلُّ الرِّبَا وَالزِّنَا وَالْخُمُورُ وَالْفُجُورُ وَمَا قَدْ ظَهَرَ مِمَّا لا خَفَاءَ بِهِ عَلَى الْعُقَلاءِ
فَأَمَّا أَهْلُ الْبِدَعِ ، يَا أَخِي رَحِمَكَ اللَّهُ ، فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا يَعْلَمُونَ وَيَعِيبُونَ مَا يَأْتُونَ ، وَيَجْحَدُونَ مَا يَعْلَمُونَ ، وَيُبْصِرُونَ الْقَذَى فِي عُيُونِ غَيْرِهِمْ وَعُيُونَهُمْ تَطْرُفُ عَلَى الأَجْذَالِ وَيَتَّهِمُونَ أَهْلَ الْعَدَالَةِ وَالأَمَانَةِ فِي النَّقْلِ وَلا يَتَّهِمُونَ آرَاءَهُمْ وَأَهْوَاءَهُمْ عَلَى الظَّنِّ ، وَهُمْ أَكْثَرُ النَّاسِ اخْتِلافًا ، وَأَشَدُّهُمْ تَنَافِيًا وَتَبَايُنًا ، لا يَتَّفِقُ اثْنَانِ مِنْ رُؤَسَائِهِمْ عَلَى قَوْلٍ وَلا يَجْتَمِعُ رَجُلانِ مِنْ أَئِمَّتِهِمْ عَلَى مَذْهَبٍ فَأَبُو الْهُذَيْلِ يُخَالِفُ النَّظَّامَ ، وَحُسَيْنُ النَّجَّارُ يُخَالِفُهُمَا ، وَهِشَامُ الْفُوَطِيُّ يُخَالِفُهُمْ ، وَثُمَامَةُ بْنُ أَشْرَسَ يُخَالِفُ الْكُلَّ ، وَهَاشِمُ الأَوْقَصُ ، وَصَالِحُ قُبَّةَ يُخَالِفَانِهِمْ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ قَدِ انْتَحَلَ لِنَفْسِهِ دِينًا يَنْصُرُهُ وَرَبًّا يَعْبُدُهُ وَلَهُ عَلَى ذَلِكَ أَصْحَابٌ يَتَّبِعُونَهُ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يُكَفِّرُ مَنْ خَالَفَهُ وَيَلْعَنُ مَنْ لا يَتْبَعُهُ وَهُمْ فِي اخْتِلافِهِمْ وَتَبَايُنِهِمْ كَاخْتِلافِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ سورة البقرة آية 113
فَاخْتِلافُهُمْ كَاخْتِلافِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى ، لأَنَّ اخْتِلافَهُمْ فِي التَّوْحِيدِ وَفِي صِفَاتِ اللَّهِ وَفِي الْكَيْفِيَّةِ وَفِي قُدْرَةِ اللَّهِ وَفِي عَظَمَتِهِ ، وَفِي نَعِيمِ الْجَنَّةِ وَفِي عَذَابِ النَّارِ ، وَفِي الْبَرْزَخِ وَفِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ وَفِي الرَّقِّ الْمَنْشُورِ وَفِي عِلْمِ اللَّهِ وَفِي الْقُرْآنِ وَفِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي لا يَعْلَمُهَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ إِلا بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ وَلَيْسَ يُعْدَمُ مَنْ رَدَّ الْعِلْمَ فِي هَذِهِ الأَشْيَاءِ إِلَى رَأْيِهِ وَهَوَاهُ وَقِيَاسِهِ وَنَظَرِهِ وَاخْتِيَارِهِ مِنَ الاخْتِلافِ الْعَظِيمِ وَالتَّبَايُنِ الشَّدِيدِ
وَأَمَّا الرَّافِضَةُ فَأَشَدُّ النَّاسِ اخْتِلافًا وَتَبَايُنًا وَتَطَاعُنًا فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَخْتَارُ مَذْهَبًا لِنَفْسِهِ يَلْعَنُ مَنْ خَالَفَهُ عَلَيْهِ وَيُكَفِّرُ مَنْ لَمْ يَتَّبِعْهُ وَكُلُّهُمْ يَقُولُ : إِنَّهُ لا صَلاةَ وَلا صِيَامَ وَلا جِهَادَ وَلا جُمُعَةَ وَلا عِيدَيْنِ وَلا نِكَاحَ وَلا طَلاقَ وَلا بَيْعَ وَلا شِرَاءَ إِلا بِإِمَامٍ وَإِنَّهُ مَنْ لا إِمَامَ لَهُ فَلا دِينَ لَهُ ، وَمَنْ لَمْ يَعْرِفْ إِمَامَهُ فَلا دِينَ لَهُ ، ثُمَّ يَخْتَلِفُونَ فِي الأَئِمَّةِ فَالإِمَامِيَّةِ لَهَا إِمَامٌ تُسَوِّدُهُ وَتَلْعَنُ مَنْ قَالَ : إِنَّ الْإِمَامَ غَيْرُهُ وَتُكَفِّرُهُ ، وَكَذَلِكَ الزَّيْدِيَّةُ لَهَا إِمَامٌ غَيْرُ إِمَامِ الإِمَامِيَّةِ
وَكَذَلِكَ الإِسْمَاعِيلِيَّةُ وَكَذَلِكَ الْكَيْسَانِيَّةُ وَالْبَتْرِيَّةُ ، وَكُلُّ طَائِفَةٍ تَنْتَحِلُ مَذْهَبًا وَإِمَامًا وَتَلْعَنُ مَنْ خَالَفَهَا عَلَيْهِ وَتُكَفِّرُه
وَلَوْلا مَا نُؤْثِرُهُ مِنْ صِيَانَةِ الْعِلْمِ الَّذِي أَعْلَى اللَّهُ أَمْرَهُ وَشَرَّفَ قَدْرَهُ وَنَزَّهَهُ أَنْ يُخْلَطَ بِهِ نَجَاسَاتُ أَهْلِ الزَّيْغِ وَقَبِيحُ أَقْوَالِهِمْ وَمَذَاهِبُهُمُ الَّتِي تَقْشَعِرُّ الْجُلُودُ مِنْ ذِكْرِهَا وَتَجْزَعُ النُّفُوسُ مِنَ اسْتِمَاعِهَا وَيُنَزِّهُ الْعُقَلاءُ أَلْفَاظُهُمْ وَأَسْمَاعُهُمْ عَنْ لَفْظِهَا لَذَكَرْتُ مِنْ ذَلِكَ مَا فِيهِ عِبْرَةٌ لِلْمُعْتَبِرِينَ وَلَكِنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ رَحِمَهُ اللَّهُ ، قَالَ : لَوْلا إِنِّي عَلَى طَهَارَةٍ لأَخْبَرْتُكُمْ بِمَا تَقُولُهُ الرَّوَافِضُ.
وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ رَحِمَهُ اللَّهُ : إِنَّا لَنَسْتَطِيعُ أَنْ نَحْكِيَ كَلامَ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى وَلا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَحْكِيَ كَلامَ الْجَهْمِيَّةِ
وَلَوْلا أَنَّكَ قُلْتَ : إِنَّ أَهْلَ الزَّيْغِ يَطْعَنُونَ عَلَى أَئِمَّتِنَا وَعُلَمَائِنَا بِاخْتِلافِهِمْ فَأَحْبَبْتُ أَنْ أُعْلِمَكَ أَنَّ الَّذِي أَنْكَرُوهُ هُمُ ابْتَدَعُوهُ وَأَنَّ الَّذِي عَابُوهُ هُمُ اسْتَحْسَنُوهُ وَلَوْلا اخْتِلافُهُمْ فِي أُصُولِهِمْ وَعُقُودِهِمْ وَإِيمَانِهِمْ وَدِيَانَاتِهِمْ لَمَا دَنَّسْنَا أَلْفَاظَنَا بِذِكْرِ حَالِهِمْ
.
فَأَمَّا الاخْتِلافُ فَهُوَ يَنْقَسِمُ إِلَى وَجْهَيْنِ :
أَحَدِهِمَا اخْتِلافٌ الإِقْرَارُ بِهِ إِيمَانٌ وَرَحْمَةٌ وَصَوَابٌ وَهُوَ الاخْتِلافُ الْمَحْمُودُ الَّذِي نَطَقَ بِهِ الْكِتَابُ وَمَضَتْ بِهِ السُّنَّةُ وَرَضِيَتْ بِهِ الأُمَّةُ وَذَلِكَ فِي الْفُرُوعِ وَالأَحْكَامِ الَّتِي أُصُولُهَا تَرْجِعُ إِلَى الإِجْمَاعِ وَالائْتِلافِ
وَاخْتِلافٌ هُوَ كُفْرٌ وَفُرْقَةٌ وَسُخْطَةٌ وَعَذَابٌ يَؤُولُ بِأَهْلِهِ إِلَى الشَّتَاتِ وَالتَّضَاغُنِ وَالتَّبَايُنِ وَالْعَدَاوَةِ وَاسْتِحْلالِ الدَّمِ وَالْمَالِ وَهُوَ اخْتِلافُ أَهْلِ الزَّيْغِ فِي الأُصُولِ وَالاعْتِقَادِ وَالدِّيَانَةِ
فَأَمَّا اخْتِلافُ أَهْلِ الزَّيْغِ فَقَدْ بَيَّنْتُ لَكَ كَيْفَ هُوَ وَفِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ
وَأَمَّا اخْتِلافُ أَهْلِ الشَّرِيعَةِ الَّذِي يَؤُولُ بِأَهْلِهِ إِلَى الإِجْمَاعِ وَالإِلْفَةِ وَالتَّوَاصُلِ وَالتَّرَاحُمِ
فَإِنَّ أَهْلَ الإِثْبَاتِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ يُجْمِعُونَ عَلَى الإِقْرَارِ بِالتَّوْحِيدِ وَبِالرِّسَالَةِ
بِأَنَّ الإيمَانَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ وَنِيَّةٌ
وَبِأَنَّ الْقُرْآنَ كَلامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ
وَمُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لا يَكُونُ ، وَعَلَى أَنَّ اللَّهَ خَالِقُ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ وَمُقَدِّرُهُمَا
وَعَلَى أَنَّ اللَّهَ يُرَى فِي الْقِيَامَةِ
وَعَلَى أَنَّ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ مَخْلُوقَتَانِ بَاقِيَتَانِ بِبَقَاءِ اللَّهِ
وَأَنَّ اللَّهَ عَلَى عَرْشِهِ بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ وَعِلْمُهُ مُحِيطٌ بِالأَشْيَاءِ
وَأَنَّ اللَّهَ قَدِيمٌ ( قلت أحسنها : أوّلٌ) لا بِدَايَةَ لَهُ وَلا نِهَايَةَ وَلا غَايَةَ ، بِصِفَاتِهِ التَّامَّةِ لَمْ يَزَلْ عَالِمًا نَاطِقًا سَمِيعًا بَصِيرًا حَيًّا حَلِيمًا قَدْ عَلِمَ مَا يَكُونُ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ وَأَنَّهُ قَدَّرَ الْمَقَادِيرَ قَبْلَ خَلْقِ الأَشْيَاءِ
وَمُجْمِعُونَ عَلَى إِمَامَةِ أَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ ، وَعُثْمَانَ ، وَعَلِيٍّ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ، وَعَلَى تَقْدِيمِ الشَّيْخَيْنِ وَعَلَى أَنَّ الْعَشَرَةَ فِي الْجَنَّةِ جَزْمًا وَحَتْمًا لا شَكَّ فِيهِ
وَمُجْمِعُونَ عَلَى التَّرَحُّمِ عَلَى جَمِيعِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالاسْتِغْفَارِ لَهُمْ وَلأَزْوَاجِهِ وَأَوْلادِهِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ وَالْكَفِّ عَنْ ذِكْرِهِمْ إِلا بِخَيْرٍ وَالإِمْسَاكِ وَتَرْكِ النَّظَرِ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ، فَهَذَا وَأَشْبَاهَهُ مِمَّا يَطُولُ شَرْحُهُ لَمْ يَزَلِ النَّاسُ مُذْ بَعَثَ اللَّهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى وَقْتِنَا هَذَا مُجْمِعُونَ عَلَيْهِ فِي شَرْقِ الأَرْضِ وَغَرْبِهَا وَبَرِّهَا وَبَحْرِهَا وَسَهْلِهَا وَجَبَلِهَا يَرْوِيهِ الْعُلَمَاءُ رُوَاةُ الآثَارِ وَأَصْحَابُ الأَخْبَارِ ، وَيَعْرِفُهُ الأُدَبَاءُ وَالْعُقَلاءُ ، وَيُجْمِعُ عَلَى الإِقْرَارِ بِهِ الرِّجَالُ وَالنِّسْوَانُ وَالشِّيبُ وَالشُّبَّانُ وَالأَحْدَاثُ وَالصِّبْيَانُ فِي الْحَاضِرَةِ وَالْبَادِيَةِ وَالْعَرَبِ وَالْعَجَمِ
لا يُخَالِفُ ذَلِكَ وَلا يُنْكِرُهُ وَلا يَشِذُّ عَنِ الإِجْمَاعِ مَعَ النَّاسِ فِيهِ إِلا رَجُلٌ خَبِيثٌ زَائِغٌ مُبْتَدِعٌ مَحْقُورٌ مَهْجُورٌ مَدْحُورٌ يَهْجُرُهُ الْعُلَمَاءُ وَيَقْطَعُهُ الْعُقَلاءُ ، إِنْ مَرِضَ لَمْ يَعُودُوهُ ، وَإِنْ مَاتَ لَمْ يَشْهَدُوهُ
ثُمَّ أَهْلُ الْجَمَاعَةِ مُجْمِعُونَ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الصَّلاةَ خَمْسٌ ، وَعَلَى أَنَّ الطَّهَارَةَ وَالْغُسْلَ مِنَ الْجَنَابَةِ فَرْضٌ ، وَعَلَى الصِّيَامِ وَالزَّكَاةِ وَالْحَجِّ وَالْجِهَادِ ، وَعَلَى تَحْرِيمِ الْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ وَالرِّبَا وَالزِّنَا وَقَتْلِ النَّفْسِ الْمُؤْمِنَةِ بِغَيْرِ حَقٍّ ، وَتَحْرِيمِ شَهَادَةِ الزُّورِ ، وَأَكْلِ مَالِ الْيَتِيمِ وَمَا يَطُولُ الْكِتَابُ بِشَرْحِهِ
ثُمَّ اخْتَلَفُوا بَعْدَ إِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَصْلِ الدِّينِ وَاتِّفَاقِهِمْ عَلَى شَرِيعَةِ الْمُسْلِمِينَ اخْتِلافًا لَمْ يَصِرْ بِهِمْ إِلَى فُرْقَةٍ وَلا شَتَاتٍ وَلا مُعَادَاةٍ وَلا تَقَاطُعٍ وَتَبَاغُضٍ
فَاخْتَلَفُوا فِي فُرُوعِ الأَحْكَامِ وَالنَّوَافِلِ التَّابِعَةِ لِلْفَرَائِضِ فَكَانَ لَهُمْ وَلِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ مَنْدُوحَةٌ وَنَفَسٌ وَفُسْحَةٌ وَرَحْمَةٌ ، وَلَمْ يَعِبْ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ ذَلِكَ وَلا أَكْفَرَهُ وَلا سَبَّهُ وَلا لَعَنَهُ
وَلَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الأَحْكَامِ اخْتِلافًا ظَاهِرًا عَلِمَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ ، وَهُمُ الْقُدْوَةُ وَالأَئِمَّةُ وَالْحُجَّةُ
فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ : إِنَّ الْجَدَّ يَرِثُ مَا يَرِثُهُ الأَبُ وَيُحْجَبُ مَنْ يُحْجَبُهُ الأَبُ
فَخَالَفَهُ عَلَى ذَلِكَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ
وَخَالَفَهُمَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ
وَخَالَفَهُمُ ابْنُ مَسْعُودٍ
وَخَالَفَ ابْنُ عَبَّاسٍ جَمِيعَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَسَائِلَ مِنَ الْفَرَائِضِ
وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي أَبْوَابٍ مِنَ الْعِدَّةِ وَالطَّلاقِ وَفِي الرُّهُونِ وَالدُّيُونِ وَالْوَدِيعَةِ وَالْعَارِيَةِ
وَفِي الْمَسَائِلِ الَّتِي الْمُصِيبُ فِيهَا مَحْمُودٌ مَأْجُورٌ وَالْمُجْتَهِدُ فِيهَا بِرَأْيِهِ الْمُعْتَمِدُ لِلْحَقِّ إِذَا أَخْطَأَ فَمَأْجُورٌ أَيْضًا غَيْرُ مَذْمُومٍ لأَنَّ خَطَأَهُ لا يُخْرِجُهُ مِنَ الْمِلَّةِ وَلا يُوجِبُ لَهُ النَّارَ وَبِذَلِكَ جَاءَتِ السُّنَّةُ عَنِ الْمُصْطَفَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ النَّيْسَابُورِيُّ , قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى , قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ , وَالثَّوْرِيُّ , عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ , عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ , قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذَا اجْتَهَدَ الْحَاكِمُ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ اثْنَانِ , وَإِذَا أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ وَاحِدٌ
حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ , خَتَنُ زَكَرِيَّا الْعَسْكَرِيِّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ سَلامٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُقْرِئُ , قَالَ : حَدَّثَنَا حَيْوَةُ , قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ الْهَادِ , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ , عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ , عَنْ أَبِي قَيْسٍ مَوْلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ , أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ، ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ , وَإِنِ اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ وَاحِدٌ
قَالَ : فَحَدَّثْتُ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَبَا بَكْرِ بْنَ عُمَرَ بْنِ حَزْمٍ , فَقَالَ : هَكَذَا حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
قَالَ الشَّيْخُ : وَكَذَلِكَ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ مِنَ التَّابِعِينَ , وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ فِي فُرُوعِ الأَحْكَامِ , وَأَجْمَعُوا عَلَى أُصُولِهَا , وَتَرَكَتِ الاسْتِقْصَاءَ عَلَى شَرْحِهَا لِطُولِهَا , فَكُلٌّ احْتَجَّ بِآيَةٍ مِنَ الْكِتَابِ تَأَوَّلَ بَاطِنَهَا , وَاحْتَجَّ مَنْ خَالَفَهُ بِظَاهِرِهَا , أَوْ بِسُنَّةٍ عَنِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , كَانَ صَوَابُ الْمُصِيبِ مِنْهُمْ رَحْمَةً وَرِضْوَانًا , وَخَطَأُهُ عَفْوًا وَغُفْرَانًا , لأَنَّ الَّذِي اخْتَارَهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لَيْسَ بِشَرِيعَةٍ شَرَعَهَا وَلا سُنَّةٍ سَنَّهَا , وَإِنَّمَا هُوَ فَرْعٌ اتَّفَقَ هُوَ وَمَنْ خَالَفَهُ فِيهِ عَلَى الأَصْلِ كَإِجْمَاعِهِمْ عَلَى وُجُوبِ غَسْلِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ فِي الطَّهَارَةِ , كَمَا سَمَّاهَا اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ , وَاخْتِلافِهِمْ فِي الْمَضْمَضَةِ وَالاسْتِنْشَاقِ , فَبَعْضُهُمْ أَلْحَقَهَا بِالْفَرَائِضِ , وَأَلْحَقَهَا الآخَرُونَ بِالسُّنَّةِ . وَكَإِجْمَاعِهِمْ عَلَى الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ , وَاخْتِلافِهِمْ فِي كَيْفِيَّتِهِ
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : أَعْلاهُ وَأَسْفَلَهُ
وَقَالَ آخَرُونَ : أَعْلاهُ دُونَ أَسْفَلِهِ , وَنَظَائِرُ لِهَذَا كَثِيرَةٌ , كَاخْتِلافِهِمْ فِي تَرْجِيعِ الأَذَانِ , وَاخْتِلافِهِمْ فِي التَّشَهُّدِ , وَافْتِتَاحِ الصَّلاةِ , وَتَقْدِيمِ أَعْضَاءِ الطُّهُورِ , وَأَشْبَاهٌ لِذَلِكَ كَثِيرَةٌ الْمُصِيبُ فِيهَا مَأْجُورٌ , وَالْمُخْطِئُ غَيْرُ مَأْزُورٍ , وَمَا فِيهِمْ مُخْطِئٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ , وَلَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتَابِهِ عَنْ نَبِيَّيْنِ مِنْ أَنْبِيَائِهِ بِقَضِيَّةٍ قَضَيَا جَمِيعًا فِيهَا بِقَضَاءَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ , فَأَثْنَى عَلَى الْمُصِيبِ , وَعَذَرَ الْمُجْتَهِدَ , ثُمَّ جَمَعَهُمَا فِي الثَّنَاءِ عَلَيْهِمَا , وَوَصَفَ جَمِيلَ صُنْعِهِ بِهِمَا
فَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ : ( وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا ) سورة الأنبياء آية 78-79 . فَأَخْبَرَنَا عَزَّ وَجَلَّ أَنَّ الَّذِي فَهِمَ عَيْنَ الإِصَابَةِ مِنَ الْقَضِيَّةِ أَحَدُهُمَا (فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ ), ثُمَّ أَثْنَى عَلَيْهِمَا (وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا )سورة الانبياء
حَدَّثَنِي أَبُو حَفْصٍ عُمَرُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ خَلَفِ بْنِ الْبَخْتَرِيِّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَعْدَانُ بْنُ يَزِيدَ , قَالَ : حَدَّثَنَا سُنَيْدُ بْنُ دَاوُدَ , قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ , عَنْ بِسْطَامِ بْنِ مُسْلِمٍ , عَنْ عَامِرٍ الأَحْوَلِ , عَنِ الْحَسَنِ , قَالَ : وَاللَّهِ لَوْلا مَا ذَكَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ لَرَأَيْتُ أَنَّ الْقُضَاةَ قَدْ هَلَكُوا , فَإِنَّهُ أَثْنَى عَلَى هَذَا بِعِلْمِهِ , وَعَذَرَ هَذَا بِاجْتِهَادِهِ , فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : فَاذْكُرْ لَنَا الْقَضِيَّةَ كَيْفَ كَانَتْ , فَإِنَّا نُحِبُّ أَنْ نَعْرِفَهَا " حَدَّثَنِي أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ الْكَفِّيُّ , قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ زَنْجُوَيْهِ , قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ , قَالَ : أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ , عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ مُرَّةَ , عَنْ مَسْرُوقٍ , فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلّ : ( وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ )سورة الأنبياء آية 78
قَالَ : كَانَ حَرْثُهُمْ عِنَبًا , فَنَفَشَتْ فِيهِ الْغَنَمُ لَيْلا , فَقَضَى دَاوُدُ بِالْغَنَمِ لَهُمْ , فَمَرُّوا عَلَى سُلَيْمَانَ , فَأَخْبَرُوهُ الْخَبَرَ , فَقَالَ : أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ , فَرَدَّهُمْ إِلَى دَاوُدَ , فَقَالَ : مَا قَضَيْتَ بَيْنَ هَؤُلاءِ ؟ فَأَخْبَرَهُ , فَقَالَ سُلَيْمَانُ : لا , وَلَكِنِّي أَقْضِي بَيْنَهُمْ أَنْ يَأْخُذَ أَصْحَابُ الْحَرْثِ غَنَمَهُمْ , فَيَكُونُ لَهُمْ لَبَنُهَا وَصُوفُهَا وَمَنْفَعَتُهَا , وَيَقُومُ هَؤُلاءِ عَلَى حَرْثِهِمْ , حَتَّى إِذَا عَادَ كَمَا كَانَ رَدُّوا عَلَيْهِمْ غَنَمَهُمْ , وَيَأْخُذُ هَؤُلاءِ حَرْثَهُمْ , فَذَلِكَ قَوْلُهُ : ( فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ ) سورة الأنبياء آية 79 ، فَهَذَا قَضَاءُ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عَلَيْهِمَا السَّلامُ , وَاخْتِلافُهُمَا قَدْ أَنْبَأَكَ اللَّهُ عَنْهُمَا , فَقَالَ : (فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ ) وَلَمْ يَقُلْ : وَأَخْطَأَ دَاوُدُ , وَلا كَفَرَ دَاوُدُ , وَلَكِنَّهُ قَالَ : (وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا ) سورة الأنبياء آية 79
وَلَقَدْ جَاءَتِ السُّنَّةُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِثْلِ اخْتِلافِهِمَا فِي نَحْوِ هَذِهِ الْقَضِيَّةِ أَيْضًا
حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَلْمٍ الْمُحْرِمِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ الزَّعْفَرَانِيُّ , قَالَ : حَدَّثَنَا شَبَابَةُ بْنُ سِوَارٍ . وَحَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ الْعَبَّاسِ الْوَرَّاقُ , قَالَ : حَدَّثَنَا عَبَّاسٌ الدُّورِيُّ , وَهَذَا لَفْظُهُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا شَبَابَةُ بْنُ سِوَارٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ بْنُ عُمَرَ , عَنْ أَبِي الزِّنَادِ , عَنِ الأَعْرَجِ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ , عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : بَيْنَمَا امْرَأَتَانِ مَعَهُمَا ابْنَاهُمَا , إِذْ جَاءَ الذِّئْبُ فَذَهَبَ بِابْنِ إِحْدَاهُمَا , فَقَالَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ لِصَاحِبَتِهَا : إِنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِكِ , فَتَحَاكَمَا إِلَى دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ , فَقَضَى بِهِ لِلْكُبْرَى , فَمَرَّتَا عَلَى سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ , فَقَصَّتَا عَلَيْهِ الْقِصَّةَ , فَقَالَ : إِيتُونِي بِالسِّكِّينِ أَشُقُّهُ بَيْنَهُمَا , فَقَالَتِ الصُّغْرَى : يَرْحَمُكَ اللَّهُ هُوَ ابْنُهَا , فَقَضَى بِهِ لِلصُّغْرَى
فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : فَوَاللَّهِ مَا سَمِعْتُ بِالسِّكِّينِ إِلا يَوْمَئِذٍ كُنَّا نُسَمِّيهِ الْمُدْيَةَ
قَالَ الشَّيْخُ : فَهَذَا رَحِمَكَ اللَّهُ اخْتِلافُ الأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فِي الأَحْكَامِ نَطَقَ بِهِ الْكِتَابُ , وَجَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ , فَمَاذَا عَسَى أَنْ يَقُولَهُ أَهْلُ الْبِدَعِ فِي اخْتِلافِهِمْ
وَأَمَّا الْخِلافُ بَيْنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ
فَقَدْ حَدَّثَنِي أَبُو صَالِحٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ ثَابِتٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ , وَحَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ صَفْوَانَ الْبَرْذَعِيُّ , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو إِسْمَاعِيلَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ السُّلَمِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ , قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ الْعَمِّيُّ , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ , عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ , عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : سَأَلْتُ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ فِيمَا يَخْتَلِفُ فِيهِ أَصْحَابِي مِنْ بَعْدِي ، قَالَ : فَقَالَ لِي : يَا مُحَمَّدُ ، إِنَّ أَصْحَابَكَ عِنْدِي بِمَنْزِلَةِ النُّجُومِ فِي السَّمَاءِ بَعْضُهَا أَضْوَأُ مِنْ بَعْضٍ , فَمَنْ أَخَذَ بِشَيْءٍ مِمَّا هُمْ عَلَيْهِ مِنِ اخْتِلافِهِمْ , فَهُوَ عِنْدِي عَلَى هُدًى
حَدَّثَنِي أَبُو يُوسُفَ يَعْقُوبُ بْنُ يُوسُفَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو يَحْيَى زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى السَّاجِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْحَاقَ الأَنْوَارِيُّ , قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو شِهَابٍ , عَنْ حَمْزَةَ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ , عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّمَا أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ , فَبِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ
حَدَّثَنَا أَبُو حَفْصٍ عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ رَجَاءٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو نَصْرٍ عِصْمَةُ بْنُ أَبِي عِصْمَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ زِيَادٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي , عَنْ قَتَادَةَ , أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ , كَانَ يَقُولُ : مَا يَسُرُّنِي لَوْ أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَخْتَلِفُوا , لأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَخْتَلِفُوا لَمْ تَكُنْ رُخْصَةً
حَدَّثَنَا أَبُو حَفْصِ بْنُ رَجَاءٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَمْرٍو , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو هَمَّامٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا ضَمْرَةُ , عَنْ رَجَاءِ بْنِ جَمِيلٍ الأَيْلِيِّ , قَالَ : اجْتَمَعَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ , وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ فَجَعَلا يَتَذَاكَرَانِ الْعِلْمَ ، قَالَ : فَجَعَلَ عُمَرُ رُبَّمَا جَاءَ بِالشَّيْءِ يُخَالِفُ بِهِ الْقَاسِمَ ، قَالَ : فَجَعَلَ ذَلِكَ يَشُقُّ عَلَى الْقَاسِمِ ، قَالَ : فَتَبَيَّنَ ذَلِكَ لِعُمَرَ , فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : لا تَفْعَلْ فَمَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِاخْتِلافِهِمْ حُمْرَ النَّعَمِ
حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيُّ , قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ , قَالَ : حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ , عَنْ أَرْطَاةَ , قَالَ : حَدَّثَنِي الْمُعَلَّى بْنُ إِسْمَاعِيلَ , قَالَ : رُبَّمَا اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ , وَكِلا الْفَرِيقَيْنِ مُصِيبٌ فِي مَقَالَتِهِ
حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ , عَنْ أَرْطَاةَ , قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو عَوْنٍ , قَالَ : رُبَّمَا اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الأَمْرِ , وَكِلاهُمَا لَهُ الْحَقُّ
قَالَ الشَّيْخُ : فَاخْتِلافُ الْفُقَهَاءِ يَا أَخِي رَحِمَكَ اللَّهُ فِي فُرُوعِ الأَحْكَامِ , وَفَضَائِلِ السُّنَنِ رَحْمَةٌ مِنَ اللَّهِ بِعِبَادِهِ , وَالْمُوَفَّقُ مِنْهُمْ مَأْجُورٌ , وَالْمُجْتَهِدُ فِي طَلَبِ الْحَقِّ إِنْ أَخْطَأَهُ غَيْرُ مَأْزُورٍ , وَهُوَ يُحْسِنُ نِيَّتَهُ , وَكَوْنُهُ فِي جُمْلَةِ الْجَمَاعَةِ فِي أَصْلِ الاعْتِقَادِ وَالشَّرِيعَةِ مَأْجُورٌ
قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : بُعِثْتُ بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ
وَإِنْ تَأَوَّلَ مُتَأَوِّلٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ مَذْهَبًا فِي مَسْأَلَةٍ مِنَ الأَحْكَامِ خَالَفَ فِيهَا الإِجْمَاعَ , وَقَعَدَ عَنْهُ فِيهَا الاتْبَاعُ , كَانَ مُنْتَهَى الْقَوْلِ بِالْعَتْبِ عَلَيْهِ : أَخْطَأْتَ لا يُقَالُ لَهُ : كَفَرْتَ , وَلا جَحَدْتَ وَلا أَلْحَدْتَ , لأَنَّ أَصْلَهُ مُوَافِقٌ لِلشَّرِيعَةِ , وَغَيْرَ خَارِجٍ عَنِ الْجَمَاعَةِ فِي الدِّيَانَةِ
حَدَّثَنَا ابْنُ مَخْلَدٍ , حَدَّثَنَا الرَّمَادِيُّ ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ حَكِيمٍ , حَدَّثَنَا سُفْيَانُ , عَنْ إِسْمَاعِيلَ , عَنْ عَوْفٍ , عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ , قَالَ : مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِاخْتِلافِ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ حُمْرَ النَّعَمِ
حَدَّثَنَا ابْنُ مَخْلَدٍ , حَدَّثَنَا الرَّمَادِيُّ ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجُعْفِيُّ , عَنْ مُوسَى الْجُهَنِيِّ ، قَالَ : كَانَ إِذَا ذُكِرَ عِنْدَ طَلْحَةَ الاخْتِلافُ ، قَالَ : لا تَقُولُوا : الاخْتِلافُ , وَلَكِنْ قُولُوا : السَّعَةُ
حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ , قَالَ : حَدَّثَنَا الْمُسَيَّبُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْحَشَّاشُ , قَالَ : حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ سَالِمٍ , عَنْ زَيْدِ بْنِ رُفَيْعٍ , عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ عَمِلَ لِلَّهِ فِي الْجَمَاعَةِ فَأَصَابَ تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنْهُ , وَإِنْ أَخْطَأَ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ , وَمَنْ عَمِلَ لِلَّهِ فِي الْفُرْقَةِ فَأَصَابَ لَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ مِنْهُ , وَإِنْ أَخْطَأَ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ
قَالَ الشَّيْخُ : فَالإِصَابَةُ فِي الْجَمَاعَةِ تَوْفِيقٌ وَرِضْوَانٌ , وَالْخَطَأُ فِي الاجْتِهَادِ عَفْوٌ وَغُفْرَانٌ , وَأَهْلُ الأَهْوَاءِ اخْتَلَفُوا فِي اللَّهِ وَفِي الْكَيْفِيَّةِ , وَفِي الأَبْنِيَةِ , وَفِي الصِّفَاتِ , وَفِي الأَسْمَاءِ , وَفِي الْقُرْآنِ , وَفِي قُدْرَةِ اللَّهِ , وَفِي عَظَمَةِ اللَّهِ وَفِي عِلْمِ اللَّهِ , تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَقُولُ الْمُلْحِدُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا ) الابانة الكبرى - بَابُ التَّحْذِيرِ مِنِ اسْتِمَاعِ كَلامِ قَوْمٍ يُرِيدُونَ نقض الاسلام
قال عبد الله الأنصاري (قَالَ الْحُسَيْنُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْمَحَامِلِيُّ : قَالَ الْمُزَنِيُّ : سَأَلْتُ الشَّافِعِيَّ عَنْ مَسْأَلَةٍ مِنَ الْكَلَامِ ، فَقَالَ : سَلْنِي عَنْ شَيْءٍ ، إِذَا أَخْطَأْتُ فِيهِ ، قُلْتَ : أَخْطَأْتَ ، وَلَا تَسْأَلُنِي عَنْ شَيْءٍ إِذَا أَخْطَأْتُ فِيهِ ، قُلْتَ : كَفَرْتَ
قال زَكَرِيَّا السَّاجِيُّ : سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ يَقُولُ : قَالَ لِي الشَّافِعِيُّ : يَا مُحَمَّدُ ، إِنْ سَأَلَكَ رَجُلٌ عَنْ شَيْءٍ مِنَ الْكَلَامِ ، فَلَا تُجِبْهُ ، فَإِنَّهُ إِنْ سَأَلَكَ عَنْ دِيَةٍ ، فَقُلْتَ دِرْهَمًا ، أَوْ دَانِقًا ، قَالَ لَكَ : أَخْطَأْتَ ، وَإِنْ سَأَلَكَ عَنْ شَيْءٍ مِنَ الْكَلَامِ ، فَزَلَلْتَ ، قَالَ لَكَ : كَفَرْتَ ) ذم الكلام و أهله
والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين